محمد محمد أبو موسى

449

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

على نصيحته لهم كما كرر إبراهيم عليه السلام في نصيحة أبيه : يا أبت » « 72 » . ويبين الزمخشري أن دفع النفوس إلى الخير وانقيادها له من الأشياء الصعبة ، لذلك كان على الواعظين أن يصبروا على تكرار ما يعظون به ، تعهدا لهذه النفوس وتتبعا لها بالنصيحة ، حتى تنقاد إلى أمر اللّه ، وهذا هو السر في أن اللّه جعل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني . يقول الزمخشري : « فان قلت : ما فائدة التثنية والتكرير ؟ قلت : النفوس أنفر شئ عن حديث الوعظ والنصيحة ، فإن لم يكرر عليها عودا على بدء لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله ومن ثم كانت عادة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظ به ، وينصح ، ثلاث مرات ، وسبعا ، ليركزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم » « 73 » . ويرى الزمخشري أن هناك من الحالات ما هو غريب على النفس وهي وان كانت لا تنكره لأنه لا مجال فيه للانكار الا أنها محتاجة إلى مزيد من الاطمئنان والتقرير وهذا موطن من مواطن التكرير وغرض من أغراضه . يقول في قوله تعالى : « وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ » « 74 » : « وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشنيده لأن النسخ من مظان الفتنة والشبهة وتسويل الشيطان ، والحاجة إلى التفصلة بينه وبين البداء ، فكرر عليهم لينبهوا ويعزموا ويجدّوا » « 75 » . والتكرير في آيات الوعيد والتهديد متابعة للنفس وتجديد التذكير

--> ( 72 ) الكشاف ج 4 ص 131 . ( 73 ) الكشاف ج 4 ص 95 . ( 74 ) البقرة : 149 ، 150 ( 75 ) الكشاف ج 1 ص 154